حصار الحصار: متى تصرخ إيران اقتصاديّاً؟ -- Apr 29 , 2026 172
ما لا يُدرَك بالآلة العسكريّة قد يُدرَك بالآلة الاقتصاديّة. هذا على الأقلّ ما تُنظِّر له بعض مراكز الأبحاث في واشنطن. وقد يكون العرض الإيرانيّ المقدَّم في الساعات الماضية أوّل إشارة إلى أنّ ساعة الرمل انقلبت في طهران.
فكّك الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المعادلة التي فرضتها إيران حين حاصر حصارها لمضيق هرمز، ليحرمها من شريان الإيرادات النفطيّة الذي يمدّ النظام بالحياة. مع انقطاع سبل الإبحار في المضيق، وامتلاء الخزّانات إلى أقصى طاقتها الاستيعابيّة، بدأت إيران تلجأ إلى وسائل غير معتادة لتخزين النفط في خزانات عشوائيّة متهالكة، وتحاول في الوقت نفسه تصدير بعض الكميّات إلى الصين عبر السكك الحديديّة.
كانت معادلة ما قبل الحصار الأميركيّ تسير لمصلحة إيران. فيما كان الحرس الثوريّ يمنع مرور الصادرات من دول الخليج، ظلّت إيران تصدّر نفطها بمعدّل 1.85 مليون برميل يومياً على مدار شهر آذار، متجاوزة معدّل الأشهر الثلاثة السابقة بنحو 150 ألف برميل يوميّاً. كانت مستفيدة في الوقت ذاته من قفزة الأسعار، ومن قرار الإدارة الأميركيّة إعفاء النفط الإيرانيّ المُحمَّل سابقاً من العقوبات. كانت القوّات الأميركيّة تترك النفط الإيرانيّ يسبح عبر مضيق هرمز إلى شرق آسيا، لأنّها لم تُرِد أن يزداد شحّ المعروض في الأسواق سوءاً.
أقلّ من 600 ألف برميل يوميّاً
لكن مع بدء الحصار، انقلبت المعادلة، وبدأ العدّ العكسيّ لإغلاق الإنتاج في حقول النفط، لتذوق إيران من الكأس التي جرّعت منها جيرانها في العراق والكويت وقطر، بشكل خاصّ. على الرغم من الدعاية الإيرانيّة التي تزعم نجاح أكثر من ثلاثين ناقلة في تجاوز الحصار، تُثبت البيانات العكس. معظم هذه الناقلات عبرت بالفعل مضيق هرمز شرقاً، لكنّها عادت أدراجها بفعل الحصار الأميركيّ، وظلّت عالقة في خليج عدن. بالأرقام، انخفضت معدّلات تحميل النفط الإيرانيّ إلى أقلّ من 600 ألف برميل يوميّاً بين 14 و23 نيسان، وباتت إيران تبحث عن كلّ مكان ممكن لتخزين إنتاجها برّاً وبحراً.
للحصار الأميركيّ أثر مزدوج:
من ناحية، يؤدّي إلى مشكلات تقنيّة كبيرة في تشغيل حقول النفط الإيرانيّة قد تؤدّي إلى إضعاف طاقتها الإنتاجيّة لسنوات طويلة، إذا ما وصل التخزين إلى الطاقة القصوى واضطرّت إيران إلى وقف الإنتاج. لم تصل إيران إلى تلك المرحلة بعد، لكنّ تقديرات شركة البيانات “كبلر” تشير إلى أنّ طاقة التخزين لديها ستُستنفَد تماماً خلال عشرة أيّام، وقد ترتفع إلى 20 يوماً بإضافة الناقلات العائمة. بعدئذٍ لن تجد إيران مفرّاً من خفض الإنتاج، فينخفض الضغط في المكامن المتقادمة أصلاً، وربّما يدخل الماء والغاز إليها.
من ناحية أخرى، يحرم الحصار طهران من إيرادات ضخمة بالعملة الصعبة، يقدّرها دونالد ترامب بنصف مليار دولار يوميّاً، فيما تقدّرها “كبلر” بنحو 200 إلى 275 مليون دولار يوميّاً. مع مرور الوقت سيبدأ أثر ذلك بالظهور، في ظلّ المشكلات الاقتصاديّة الكبيرة أصلاً في الداخل الإيرانيّ، وربّما يصل لاحقاً إلى حدّ الضغط على قدرة إيران على تمويل أذرعها في المنطقة.
ثلث المخزون عالق
إلّا أنّ التأثير الماليّ قد يتأخّر لأسابيع. لدى إيران مخزون ضخم من النفط العائم على ظهر الناقلات، يُقدَّر وفق بعض المصادر بنحو 180 مليون برميل، أي ما يعادل مبيعات ثلاثة أشهر. غير أنّ ثلث هذا المخزون عالق داخل منطقة الحصار الأميركيّ في الخليج العربيّ وخليج عدن. حتّى الكميّات العائمة خارج المضيق، التي تفوق 120 مليون برميل، لا تجد طريقها إلى السوق بسهولة، وحتّى لو وجدته فإنّ طهران تواجه صعوبات مستجدّة في تحويل عوائد البيع إليها، بسبب توتّر علاقاتها مع دولٍ كان جزء كبير من هذه الأموال يمرّ عبرها.
العبرة في ما سبق أنّ معادلة الوقت تغيّرت، ففيما كانت طهران تعوّل خلال الحرب على أنّ الاقتصاد العالميّ لن يتحمّل إغلاق مضيق هرمز لأكثر من أيّام قليلة، وأنّ أسعار النفط المرتفعة ستضغط على إدارة ترامب لوقف إطلاق النار وتقديم التنازلات لطهران، يبدو الآن أنّ العالم يتأقلم مع أسعار نفط تفوق مئة دولار للبرميل.
جنون معدلات التضخّم
ينصبّ رهان إيران الآن على لعبة عضّ الأصابع. فيما تعدّ الأيّام قبل امتلاء مخزوناتها، آملةً أن تسمع صرخة الاقتصاد العالميّ من شحّ المعروض النفطيّ أوّلاً، ينصبّ رهان الإدارة الأميركيّة على أنّ العالم قادر على توفير مصادر الطاقة الكافية لأشهر مقبلة، وترى أنّ تحمّل أسعار النفط المرتفعة ثمنٌ مستحقّ لدفع إيران إلى التنازل.
لكنّ السؤال المركزيّ: متى تصرخ إيران؟
يقدّر بعض الدبلوماسيّين الغربيّين قدرة طهران على التحمّل من شهرين إلى ثلاثة أشهر. إذا ما اضطرّت إلى وقف الإنتاج، وتدهورت إيراداتها من العملة الصعبة، فسيعود انهيار العملة إلى الواجهة، كما حدث في الأشهر التي سبقت الحرب، وستعود معدّلات التضخّم إلى الجنون، وستجد الدولة صعوبة في مواجهة الاستحقاقات الداخليّة لما بعد الحرب، وتلك هي الوصفة المثاليّة لعودة الحركات الاحتجاجيّة.
يفسّر ذلك لماذا بادرت طهران إلى تقديم عرض مباشر لاختراق الجمود في مسار إسلام آباد التفاوضيّ. يقوم جوهر العرض على وقف الهجمات في هرمز أو إعادة فتح المضيق، مقابل إنهاء الحرب ورفع الحصار عن الموانئ، مع تأجيل النقاش في الملفّ النوويّ وتمويل الميليشيات في المنطقة.
ما اختلف أنّ إيران كانت تعرض في السابق فتح المضيق مقابل مكاسب استراتيجيّة كبرى، منها رفع العقوبات وإنهاء تجميد الأموال، علاوة على الاعتراف بسيادتها على المضيق.
ما تريده الآن هو الاستمرار بحالة المراوحة، لكن من دون أن تكون تحت ضغط الحصار. هذا بحدّ ذاته يؤكّد أنّ “الستاتيكو” الحالي أشبه بساعة رمل تراقبها إيران بكثير من القلق.
اساس ميديا - عبادة اللدن